saudialyoom
"تابع آخر الأخبار السعودية والعربية على موقع السعودية اليوم، المصدر الأمثل للمعلومات الدقيقة والموثوقة. انضم إلينا الآن!"

حرب المضمرات ‬بين الحكومة والأحزاب في‮ ‬المغرب‮

بقلم عبد الحميد جماهري _
صرّح رئيس الحكومة المغربية، سعد الدين العثماني: “شخصيا لست متحمسا لتشكيل حكومة من حزب واحد، لأني أعتقد أن الشراكة دائما مفيدة، ومهمة جدا، وقد تكون أهم من الاقتصار على نظام انتخابي يؤدي لحزب واحد”. قد يبدو قولٌ كهذا من صميم التفكير السياسي والإعلامي المطلوب في واقع عادي، غير أن كثيرين قرأوا في الأمر غير ذلك، وتساءلوا: هل هو تصريح محايد حقا، استوجبه الوضع الحالي من رئيس الحكومة، في وقتٍ تزايدت فيه الدعوات إلى إعادة النظر في الانتخابات وتنظيمها وتوقيتها وترسانتها، أم هو تهديد مبطن، يرفعه العثماني الذي يقود حزبه (العدالة والتنمية) الحكومة منذ عقد تقريبا، وما زال يعيد التكرار أنه سيظل الحزب الأول في البلاد، ولن يتراجع، في وجه دعاة التعديل؟ قد يكون الأمران معا، فقد كانت عتبة التفكير أو ذريعته، بلغة أهل النقد الأدبي، سؤالا يتعلق بالقانون الانتخابي ومنظومته، تم طرحه على رئيس الحكومة، بعد أن خرجت هيئات سياسية، تطالب بالتعديل الانتخابي.

وبالنظر إلى السياق، يفترض أن نعود إلى هذا التوقيت الذي وضع فيه النقاش الداخلي في المغرب، فقد خرجت ثلاثة أحزاب سياسية، القوات الشعبية (اشتراكي) بقيادة إدريس لشكر، والاستقلال (وطني ليبرالي) بقيادة نزار بركة، والتقدم والاشتراكية (شيوعي سابقاً) بقيادة نبيل بنعبد الله، وهي تشكل عصب الكتلة الديمقراطية، صاحبة أكبر أدوار استراتيجية في البلاد وقت المعارضة، وإبّان التناوب السياسي في نهاية عهد الراحل الحسن الثاني، وبداية عهد العاهل محمد السادس، خرجت تدعو إلى تغيير المنظومة الانتخابية، وتدعو، في الوقت ذاته، إلى إيجاد شرط سياسي جديد في البلاد.
وعلى الرغم من تموقعاتها السياسية الحالية، واحد منها في الحكومة واثنان في المعارضة، فإن هذا الاتفاق، في التوقيت كما في جوهر المطلب السياسي، يبين أن الأحزاب الثلاثة التي تشكل الطرف الرئيسي في تعاقد سياسي، بدأ منذ الاستقلال مع الدولة المغربية المستقلة، تشترك في تحليل واحد. ومفاده بأن ضمور الهيئات الوسطى، كما ظهرت عليه في أثناء الهزّات الاجتماعية الكبيرة التي عرفتها البلاد، (الريف وجرادة والمقاطعة)، أو في النفور الانتخابي، أو في أزمة الثقة التي تضرب العلاقة بين المواطنين والمجتمع السياسي، كل هذا صار يستوجب تعديلات في القوانين الانتخابية، منها إعادة النظر في التصويت باللائحة، وإيجاد صيغةٍ وسطى بين التصويت الفردي، وهذا التصويت المعتمد، لا سيما في المدن وفي انتخابات البرلمان.
بالنسبة لرئيس الحكومة، الذي يملك السلطة التنظيمية للإشراف على الانتخابات المقبلة، فالوقت سابق لأوانه، على الأقل ما يخص الشرط الذاتي الخاص به وبحزبه: حيث قال “ليس لدينا داخل حزب العدالة والتنمية حتى الآن تصوّر واضح في هذا المجال”. وهو ما قد يفيد من خلال أول رد فعل من رئيس حزب العدالة والتنمية، إن التعديل الانتخابي ليس أولوية، أو لم يتم التفكير فيه. وتابع العثماني “بخصوص النظام الانتخابي الحالي، فقد وُضعت أساسياته سنة 2002 مع بعض التعديلات التي أدخلت عليه بعد ذلك، حيث وُضع بخلفية أو فكرة الحد من تشتت البرلمان من جهة، وفي الوقت نفسه، عدم إقصاء القوى السياسية والتمهيد لاحتكار المشهد من أحزاب محدودة من جهة ثانية. وبالتالي، فهو نظام انتخابي وسط، لا يبلقن ويشتت الخريطة الانتخابية، وفي الوقت نفسه، لا يسمح لحزب واحد أو اثنين باحتكار المشهد الانتخابي”. وهو تلميح إلى الفترة التي تحملت فيها الأحزاب الثلاثة المعلنة أعلاه تدبير الشأن العام، وبالتالي ترسيم النمط الحالي، غير أن القراءات الضمنية لا تستبعد أن يكون رئيس الحكومة يطرح إمكانية فوز حزب واحد أو اثنين، كمسألة تلويح أو تنبيه سياسي لمآلات الأمر مستقبلا!
وتأتي فكرة الحزب الواحد، في الحكومة المغربية اليوم مادة نشازا، لكن وضعها كاحتمال ممكن لتغيير نمط الاقتراع فيه نوع من التهديد اللبق، المعروف عند رئيس الحكومة. وهو قول بالمضمر يعني: لقد تنامت قوتنا في الاقتراعين الأخيرين، سنة 2011، و2016، وقفز عدد مقاعدنا من 107 في 2011 إلى 125 في العام 2016. وإذا استمر الأمر على هذا المنحى التصاعدي فقد نكون وحدنا في الحكومة. أما قضية حزبين اثنين، فإثارتها تعني أنه لا يستبعد قطبية سياسة قادرة على تغيير عميق في المشهد السياسي، وهو ما يعني أنه سيجد نفسه في قطبية سياسية ثنائية، رفضت نتائجها جلُّ الأحزاب سابقا، عندما تكرّست في “العدالة والتنمية” من جهة، وحزب الأصالة والمعاصرة الذي مَوقَعَ نفسه خصما لدودا له، من جهة مقابلة.
وقد بدأ الحديث عن لقاء الطرفين، أو الخصمين، في مستقبل قريب، عندما فاز عبد اللطيف وهبي، أخيرا، بالأمانة العامة لحزب الأصالة والمعاصرة، على قاعدة حملة داخل حزبه تدعو إلى تجسير الفجوة مع الحزب الإسلامي المهيمن. وفي حالة حدث هذا، فإن المشهد برمته سيتغير رأسا على عقب، كما ستتغير نواميسه، إذ سيتولى حزبان جديدان، لم يشتغلا على قاعدة العقد السياسي الذي ربط الحقل المغربي، منذ 1944، وهو عقد وثيقة الاستقلال، على الرغم مما اعتراه أحيانا من صراع قوي، عرف أوجه في سنوات “الجمر والرصاص”. سيتولى الحزبان تدبير شؤون المغاربة وشؤون الشراكات الدستورية الوطنية، في حين ستخرج الأطراف الأصلية، والتي تتمثل بالأساس في الأحزاب التي تدعو إلى التعديل الانتخابي، ممثلة في أحزاب الكتلة، إلى قارعة التدبير والسياسة، وهو قرار استراتيجي، لا يظن أحد أنه مسألة تخص حزبا أو حزبين وحدهما، بقدر ما أنها جزءٌ من التدبير الاستراتيجي للدولة، في مجال الشأن السياسي، سيما وأنها كانت اللاعب الأساسي في التغيير الدستوري الكبير منذ 2011، علاوة على أن البعد الوطني ما زال يشكل عصبا في الحاضر المغربي، بالنظر إلى مركزية القضية الوطنية الأولى، المتعلقة بالوحدة الوطنية واستكمال وحدة التراب في الصحراء، في حياة المغاربة.
.. هو إذن فصل أول منْ مشهد طويل، ستتغير نبرته مع اقتراب السنة الانتخابية، لن يخلو من مفاجآت.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.